almarrakchia


الخلاف الفقهي بين علماء جامعة ابن يوسف بمراكش في الأربعينيات

حرر بتاريخ 28/09/2017
ذ محمد الطوگي

إن اختلاف الناس في الحق لا يوجب اختلاف الحق في نفسه، وإنما تختلف الطرق الموصلة إليه والقياسات المركبة عليه، والحق في نفسه واحد".
البطليوسي: كتاب التنبيه على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين المسلمين". ص:2


الخلاف الفقهي بين علماء جامعة ابن يوسف بمراكش في الأربعينيات
    يدخل بحثنا هذا في إطار التاريخ الثقافي لمدينة مراكش في الأربعينيات، ومن خلاله سنحاول بصفة عامة رصد انتقال الأفكار وأساليب استنباتها ونشرها في وسط معين، وكيف تتعامل معها مكونات ذلك الوسط بالرفض أو القبول؟.
  وتناولنا لهذه الإشكالية سيكون من خلال تحليلنا فتوى للعلامة محمد بن لحسن الدباغ المراكشي. وقد تطرق فيها إلى جانب من الخلاف الفقهي في الجامعة اليوسفية في الحقبة التي حددناها، ففتواه تعكس جانبا ثقافيا، كما أنها تطلعنا على مظهر من مظاهر عقلية تلك الفترة المراوحة بين الحداثة والتقليد.
  وحينئذ فماذا نعني بالخلاف من الناحيتين اللغوية والشرعية؟ ما هي أصنافه؟ ما موقف الشرع منها؟ ونعتبر الإجابة على هذه الأسئلة بمثابة فرش، لنتقدم بعد ذلك إلى مقاربة فتوى العلامة محمد بن لحسن الدباغ انطلاقا من الأصول التي أصلها العلماء للفتوى. وبما أن نص الفتوى حجاجي بامتياز وموجز وكثيف يشير أحيانا ولا يصرح، مما يستوجب على المحلل أن يغنيه ويملأ فجواته، يدور النقاش فيه بين تيارين تجمعهما العقيدة والشريعة ويختلفان في بعض المسائل الجزئية الفقهية التي يمكن لهوى المتعصب أن يركبها فيتخذها ذريعة للعداوة و البغضاء. فتأسيسا على ما تقدم، فسنعمد إلى التعريف المسهب برموز التيارين المتدافعين المصرح بهم والضمني، ثم نبحث في القضية مدار الخلاف، وبينات كل فريق ومدافعاته؛ لنصل إلى محطة نتساءل فيها عن دواعي تنزل المفتي إلى هذا النوع من القضايا، علما بأن همومه كانت أكبر من ذلك؛ فهي في مستوى ما سكن مجايليه من أمثال عبد الله كنون، علال الفاسي، محمد بن الحسن الحجوي، أحمد الصبيحي، أحمد بن المواز وأحمد النميشي؟ كما نتساءل عن طبيعة وسمة هذا النوع من الخلاف الفقهي بين المقلدين الذي انتهى منه منذ زمان، في حين أنه لا يكاد يخبو إلا ليعاود المقلدون تأجيجه بوعي أو بدون وعي، فكأن الزمان متوقف ولا تعرف له سيرورة، ولا يطرح تحديات؛ أو أن ظاهر الأسئلة تقليدي في حين هو في الحقيقة يجيب على أسئلة لها راهنيتها؟  ونتساءل أخيرا عن الإضافة العلمية التي كان بالإمكان أن يقدمها بدءا مثل هذا النقاش، لو قدر له أن يسير سيرا منفتحا سويا، منتجا لمعرفة جديدة تقدم العلم وتنفع الأمة، بدل إثارة الفرقة والتشرذم وخلق الحزازات.

الخلاف من الناحية اللغوية:
  عقد ابن منظور لدلالة مادة خ، ل، ف 31 عمودا صفحاتها من القطع الكبير، وتطرق لدلالة جميع الصيغ المكونة من المادة السابقة. وطبيعي أن تتحد المادة وتختلف الدلالة تأسيسا على المقولة اللغوية: المعاني غير متناهية والألفاظ متناهية، ولكي تحيط الألفاظ بالمعاني لزم أن تحمل الألفاظ عدة معان.
فمن دلالة مادة خ. ل.ف: " خلف فلان فلانا إذا كان خليفته أي جاء بعده، والجمع خلائف، جاءوا به على غير أصله مثل كريم وكرائم، وهو خليف والجمع خلفاء، وأما سيبويه فقال خليفة وخلفاء كسروه تكسير فعيل.
والخلف بفتح اللام ما استخلفته من شيء يقال أعطاء الله خلفا مما ذهب لك، ولا يقال خلفا بسكون اللام.
قال ابن الأثير: الخلف بالتحريك والسكون، كل من يجيء بعد من مضى، إلا  أنه بالتحريك في الخير وبالتسكين في الشر.
والخلاف المضادة، وقد خالفه مخالفة وخلافا... وتخالف الأمران واختلفا لم يتفقا وكل ما لم يتساو فقد تخالف واختلف" .
أما ابن فارس فقد رد أصول دلالة مادة خلف إلى ثلاثة حيث قال:" الخاء واللام والفاء أصول ثلاثة؛ أحدها أن يجيء شيء بعد شيء يقوم مقامه، والثاني خلاف قدام، والثالث التغير... وقولهم اختلف الناس في كذا، والناس خلفة أي مختلفون، وهذا من الباب الأول لأن كل واحد منهم ينحي قول صاحبه ويقيم نفسه مقام الذي نحاه".
وإذا فالخلاف بهذا المعنى لا يمكن تصوره إلا في إطار المدافعة بين اثنين أو أكثر، كل طرف يحاول أن يزحزح قناعة صاحبه ويستنبت لديه فكرة مغايرة لما كان يعتقده.

الخلاف من الناحية الشرعية:
  نشأ الخلاف في إطار الدراسات الفقهية، وجرى بين أتباع المذاهب جدال تناول في البدء مسائل الفروع، ثم لم يلبث أن تعداها إلى القضايا الأصولية.
إن المتذرع بالخلاف ويسمى بالخلافي يتفق مع المجتهد في الحاجة إلى معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام، إلا أن هناك فرقا دقيقا بين المجتهد وصاحب الخلاف، فالأول يحتاج إليها في استنباط الأحكام، والثاني صاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة مخافة أن يهدمها المخالف بأدلته، فالمخالف حاضر في ذهنه ويحسب له حسابه أثناء المدافعة. يقول ابن خلدون:" ولابد- لصاحب الخلافيات- من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليها المجتهد، إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط، وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته" .

وينقسم الخلاف إلى قسمين:
1- محمود: وهو لا يعتبر خلافا بقدر ما هو انفتاح على الآخر من غير اتباع هوى.
يقول أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي (ت 790هـ): " ومن هنا يظهر وجه الموالاة والتحاب والتعاطف فيما بين المختلفين في وسائل الاجتهاد؛ حتى إنهم لم يصيروا شيعا، ولا تفرقوا فرقا؛ لأنهم مجتمعون على طلب قصد الشارع. فاختلاف الطرق غير مؤثر، فهم متفقون في أصل التوجه لله المعبود، وإن اختلفوا في أصناف التوجه، فكذلك المجتهدون لما كان قصدهم إصابة مقصد الشارع صارت كلمتهم واحدة وقولهم واحد، ولأجل ذلك لا يصح لهم ولا لمن قلدهم التعبد بالأقوال المختلفة؛ لأن التعبد بها راجع إلى إتباع الهوى" .
2- الخلاف المذموم:" وهو الخلاف الذي هو في الحقيقة خلاف،" وهو ما كان ناشئا عن الهوى المضل، لا عن تحري قصد الشارع باتباع الأدلة على الجملة والتفصيل، وهو الصادر عن أهل الهواء، وإذا دخل الهوى أدى إلى اتباع المتشابه حرصا على الغلبة والظهور بإقامة العذر في الخلاف، وأدى إلى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء لاختلاف الأهواء وعدم اتفاقها، وإنما جاء الشرع بحسم مادة الهوى بإطلاق".
قال ابن عبد البر: " إن المسألة إذا كان سبيلها الاجتهاد، ووقع فيها الاختلاف، لم يجز لأحد القائلين فيها عيب مخالفه، ولا الطعن عليه؛ لأنههم- الصحابة- اختلفوا وهم القدوة فلم يعب أحد منهم على صاحبه اجتهاده، ولا وجد عليه في نفسه، إلى الله الشكوى وهو المستعان على أمة نحن بين أظهرها تستحل الأعراض والدماء إذا خولفت فيما تجيء به من الخطأ... والمجتهد إذا قاده اجتهاده إلى شيء خالفه فيه صاحبه لم يجز له الميل إلى قول صاحبه، إذا لم يبن موقع الصواب فيه، ولا قام له الدليل عليه"
ويعتبر ابن خلدون الخلاف الأول أي المحمود القائم على البحث والنظر والعقلنة مظهرا من مظاهر الحضارة والتمدن، وان التعصب يعكس روح البداوة.
ويقول كولد تسيهر :" وقد اقتنع الرجال العمليون من الفقهاء من أول الأمر بأنهم جميعا على الحق، وأنهم يخدمون مبدءا واحدا، وعلى هذا الأساس كانوا يتبادلون الاحترام... ولم يظهر التعصب المذهبي إلا عندما ازداد العجب عند الفقهاء، الأمر الذي كان موضع لوم أهل الجد منهم. وعلى العموم فقد طبع بالتسامح هذا الحديث" اختلاف أمتي رحمة".




من هنا .. وهناك | أخبار | مراكش | جمعويات | منوعات | ثقافة وفن | رياضة | التعليم | الجامعة | الرأي | الأولى | فيديو | بحوث | واااتساب .. | إعلانات مبوبة | اعلانات | الوطنية







Facebook
Twitter
Rss
Newsletter
Mobile